وهبة الزحيلي
194
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [ النساء 4 / 54 ] ، وهكذا يعطي النّبوة لمن يريد ، كما قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام 6 / 124 ] ، وقال : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء 17 / 21 ] . وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء ، وللعزّة والذلّة مظاهر وآثار ، ولا يتوقف ذلك على الملك أو المال ، فكم من ملك ذليل ، وكم من غني مهين ، وكم من فقير عزيز . ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلّتها ، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقو العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم والفئة القليلة المؤمنة ، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا ، كما قال تعالى : يَقُولُونَ : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [ المنافقون 63 / 8 ] . بقدرتك وحدك الخير كلّه ، تتصرّف فيه بحسب مشيئتك ، فكل ما كان أو يكون فيه الخير والنعمة إما لصاحبه أو للجماعة ، إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء ، خير أو شرّ ، فأنت المفوض إليك كل شيء ، ونحن المتوكّلون عليك . وذكر الخير ، مع أنّ كلّا من الخير والشّر بقدرته ، لمناسبته للمقام ، بتحويل النّبوة والملك من قوم إلى قوم ومن شخص إلى شخص . والخير : شامل للنصر والغنيمة والعزّة والجاه والمال ونحو ذلك مما يرغب به الإنسان ويحرص عليه : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ . ومن مظاهر القدرة الإلهية وإبراز تمام الملك والعظمة إدخال الليل في النهار ، زيادة ونقصا ، فتأخذ من طول هذا ، فتزيده في قصر هذا ، فيعتدلان ، ثم تأخذ من هذا في هذا ، فيتفاوتان ، ثم يعتدلان ، وقد يطول التفاوت جدا في بعض البلاد والأوقات ، وهكذا يتفاوت طول الليل والنهار وقصره بحسب فصول